عفيف الدين التلمساني
260
شرح مواقف النفري
معرفته لربه عزّ وجلّ ، فذكر له علامة ذلك فقال ، ولن تعرفني حتى لا إلا ما تعرف يعني حتى لا ترى وجود الغير ما عرفت ، وذلك يقتضي فناء وجود العارف في المعروف ، ودليل صحة ذلك قوله : فلا أنا ما عرفت أي إن كنت أنا المعروف ، لك كنت أنت غير فان ، فلا عرفان وهو قوله : فلا أنا ما عرفت ، أما إذا فني في المعروف الحق صح فلا إلا ما عرفت ، لكن بشرط أن تشهد أن العارف حق إذ ذاك . قال ولا تجهلني حتى لا إلا ما جهلت يعني إذا رأيت وجودك محوا في وجوده جهلته لفناء ذلك في بقائه لكن لا يكون وجود المجهول إلا وهو داخل فيما جهل ؛ إذ لا وجود لغير الحق تعالى ؛ فيكون إذن معنى لا إلا ما تجهل ولفنائه في الحالتين لم يكن الحق تعالى لا ما عرف ولا ما جهل . قوله : ( وقال لي : المعرفة من كل شيء حدّك الكل من كل كلّية حدّك الحدّ من كل حدّية منتهاك الجزء من كل جزئية تقلّبك ) . قلت : يعني أن المعرفة من حيث ما هي هي لا من حيث فنائها في المعروف الحق هي رسم ما من الرسوم ، والرسوم هي حدود العبد فلا جرم قيل له في المعرفة حدك ، ثم عدد الرسوم فمنها الكلية من كل كل والكل من كل كلية فإنها حدود العبد ؛ لأن كل ما سواه تعالى فله كل هو حده ، وإن خالف مدعو المجردات ، ثم بين أن الحد هو منتهى العبد المتناسي ، ثم بين أن التجزىء يحصل بتقلب أحوال الموجودات ، فعبر عنها كلها بالعبد وبالواجب كان ذلك ؛ لأن الإنسان هو مجموع مراتب الأشياء التي فيه ، وأما الإنسان الذي هو الإنسان فلا تتناهى مراتبه ، ويطول الشرح في تفصيلها . قوله : ( وقال لي : إن بقيت للباطن عليك إمرة فقد بقيت للظاهر عليك فتنة ) . قلت : اعلم أن الباطن والظاهر هما من أمهات الأسماء الإلهية وبين معنيهما تقابل بالكتاب والسنة ، وبالجملة : العلم كله ، فهو من مظاهر الاسم الظاهر . والعبد مطلوب بمظاهر هذا الاسم الكريم ما دام في عالم الحجاب ، وذلك أن المسلك في مسائله هي العبادات وأكثرها بدنية . فأما الخواص فسلوكهم هو من مظاهر هذا الاسم الكريم الذي هو الظاهر إلى الاسم الآخر الذي هو الاسم الباطن . وبين هذين الاسمين يكون مدارج العارفين ولهذا الاسم الكريم الذي هو الاسم الباطن